سولي: العام الذي تعلّم فيه العطر أن يتحدّث بصوتٍ واحد
/ 3 دقائق قراءة

سولي: العام الذي تعلّم فيه العطر أن يتحدّث بصوتٍ واحد

ثمّة كلمة تكتسب حضورًا هذا الموسم على واجهات ميلانو وفي ورش غراس، وهي كلمةٌ صغيرةٌ إلى حدّ المفاجأة. سولي — من اللاتينية بمعنى «وحده» — تُطلَق على عائلةٍ متنامية من العطور المبنيّة حول فكرةٍ شمّيّة واحدة: سوليفلور لزهرةٍ واحدة، وسوليفروي لثمرةٍ واحدة، وأبناء عمومتهما الأحدث؛ سوليوود للخشب، وسوليتي للشاي، وسولينَت للمكسّرات. طوال العقود الثلاثة الماضية كانت العطارة تقيس طموحها بالتعقيد، بعدد الأصوات التي تستطيع القارورة أن تحملها دفعةً واحدة. أمّا في ٢٠٢٦ فقد مال البندول إلى الجهة الأخرى، وصار وصف هذا العام بأنه عام النغمة الواحدة أقرب إلى حقيقةٍ قائمة منه إلى تنبّؤ.

من اليسير أن يُظنّ هذا انكفاءً نحو البساطة، لكنه ليس كذلك. فالسوليفلور، كما أصرّ أهل الكلاسيكيّة دائمًا، ليس عطرًا من مكوّنٍ واحد بل عطرٌ عن موضوعٍ واحد؛ زهرةٌ واحدة تُوضَع في بؤرة الضوء بينما يتحرّك كل ما سواها على أطراف أصابعه في الخلفية. الوردة، الياسمين، الفاوانيا: تأخذ الزهرة دور العزف المنفرد، ولا وجود لبقيّة مواد العطّار إلا لتجعلها أكثر شبهًا بنفسها. والمفارقة في قلب هذا الفنّ أنّ حمل نغمةٍ واحدة لتأليفٍ كامل يقتضي من العطّار دقّةً أعلى لا أدنى؛ إذ لم يعُد ثمّة مكانٌ يُخفي فيه خطأً.

أمّا جاذبيّته لدى مَن يرتديه فهي الوضوح. يقول العطّار الكبير كريستوف لوداميل: «العطور السولي أسهل في الإدراك والشرح والترتيب داخل خزانة العطور، وهي في الوقت نفسه شديدة المتعة، كأنها رحلةٌ في الروائح والمشاعر». في سوقٍ تطرح اليوم آلاف العطور سنويًّا، يصير العطر الذي تسمّيه بكلمةٍ واحدة رحمةً صغيرة. تعرف ما ترتديه، وتستطيع أن تجده ثانيةً، وأن تحبّه لما هو عليه بوضوح، لا أن تفكّ شفرته كأنه لغز.

والأرقام تشهد على هذا التحوّل. ففي العام الأخير قفز الاهتمام المرصود بالفستق كنغمةٍ عطريّة بنسبةٍ مذهلة بلغت ثمانمئةٍ وخمسين في المئة، بينما ارتفعت عمليات البحث عن الفواكه المائيّة كالبطّيخ والكمّثرى بأكثر من مئةٍ وخمسين في المئة. هذه أنواعٌ من السولينَت والسوليفروي تعثر على جمهورها لحظةً بلحظة، ودليلٌ على أنّ الرغبة ليست في عطرٍ أقلّ، بل في عطرٍ ذي وجهة نظرٍ واضحة. جيلٌ نشأ على تخمة الحلويّات العطريّة يكتشف الآن لذّة رغبةٍ واحدة صريحة تُلبَّى تمامًا كما هي.

وقد وجد هذا التيّار أعظم منصّاته في يونيو الماضي في معرض إسكسنس للعطارة الفنّيّة، الذي عاد إلى ميلانو في دورته السادسة عشرة القياسيّة؛ أكثر من أربعمئة دار، تجاوز الجديد منها المئة، ونحو عشرين ألف زائرٍ يجوبون القاعات. وكانت الخطوط الجامعة بليغةً في دلالتها. استكشفت دار لاتوليه الفانيليا لا بوصفها نغمةً قاعديّة مدفونة في تركيبة، بل بوصفها ثلاث لوحاتٍ منفصلة، كلٌّ منها صورةٌ للمادّة نفسها من زاويةٍ مختلفة. وعادت الخزامى أبرد وأغرب من سمعتها التقليديّة. حتى الأنماط العربيّة الفخمة التي ترسو عليها الفئة الفاخرة — العود والزعفران والعنبر — صارت تُقرَأ أكثر فأكثر بوصفها تصريحاتٍ مركّزة بصوتٍ واحد لا خلطاتٍ مزدحمة. كان التركيز، لا التراكم، هو مزاج المكان.

لماذا الآن؟ في جانبٍ منه إرهاق. فبعد سنواتٍ من الأهرام المتزايدة ازدحامًا، يملّ الأنف أن يُصرَخ في وجهه بعشر أفكارٍ دفعةً واحدة، ويبدأ الصفاء يبدو ترفًا. وفي جانبٍ آخر صدقٌ: ذلك الذي صار يريد أن يعرف أين زُرعت المادّة وكيف قُطِّرت، يريد أيضًا أن يشمّها صريحةً، غير ممزوجة ولا مقنّعة. فالسولي شفافيةٌ تُرتَدى. وفي جانبٍ ثالث ثقة؛ إذ إنّ دارًا تراهن بعطرٍ كامل على سوسنةٍ واحدة لا عيب فيها، أو ورقة تينٍ واحدة لا تُشقّ، إنما تراهن على أنّ خامتها قادرةٌ على الوقوف وحدها. ولا يصمد أمام هذا الانكشاف إلا أنبل المواد.

وهذا في النهاية ما يطلبه السولي وما يمنحه. يطلب من العطّار جرأة، ومن مرتديه انتباهًا، ويمنح في المقابل تلك اللذّة النادرة؛ لذّة عطرٍ يعني شيئًا واحدًا ويعنيه كاملًا. وفي زمن الضجيج، ثمّة ما يشبه التحدّي في عطرٍ يختار أن يقول كلمةً واحدة، واثقًا من أنّ الكلمة الواحدة، إذا قيلت على وجهها، أكثر من كافية.

قبل ما تقرّر

اقرأ عنه. وبعدين عيش معاه.

اطلب عيّنة 2ml من أي عطر في الدار والبسه كام يوم قبل ما تقرّر.

جرّبه

اقرأ المزيد

كل المقالات ←
اكتشف عطرك جرّب 2ml